أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
124
نثر الدر في المحاضرات
معقول ، على نفسك ، فإنك إن تهنها تجد بها على النّاس هوانا ، ألم تسمع قول الشاعر « 1 » : [ الطويل ] ونفسك فاكرمها فإنك إن تهن * عليك فلن تلقى لها الدّهر مكرما وإني لأقسم لك لئن لم تنته عما يبلغني عنك لتجدنّ جانبي خشنا ، ولتجدنّي إلى ما يردعك عجلا ؛ فر رأيك ممكّنا لك ، فإن أشفى بك على الردى فلا تلم إلّا نفسك والسلام . فكتب إليه ابن عباس : أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، تذكر أني أفتي الناس بالجهل ، وإنما يفتي بالجهل من لم يؤت شيئا من العلم ، وقد - والحمد للّه - آتاني اللّه من العلم ما لم يؤته أباك ولم يؤته إيّاك . وذكرت أنّ حلمك عنّي هو جرّأني عليك ، وتقول : اكفف من غربك واربع على ظلعك ، وتضرب لي الأمثال أحاديث الضّبع استها . فمتى رأيتني لعرامك هائبا ، وعن حدّك ناكلا ؟ وتقول : إن لم أكفف عما يبلغك عني وجدت جانبك خشنا ، ووجدتك إليّ عجلا ، فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إن أرعيت . فو اللّه لا أنتهي عن قول بالحق ، وصنعة أهل العدل والفضل ، وذمّ الأخسرين أعمالا : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 ) [ الكهف : الآية 104 ] والسلام . خرج عروة بن الزبير إلى الوليد ، فوطئ عظما ، فلم يبلغ دمشق حتى ذهب به كلّ مذهب ؛ فجمع الوليد الأطباء ، فأجمع رأيهم على قطعها ، فقالوا له : اشرب مرقدا ؛ فقال : ما أحبّ أن أغفل عن ذكر اللّه ، فأحمي له منشار ، وكان قطعا وحسما ، فما توجع ، وقال : ضعوها بين يديّ ؛ لئن كنت ابتليت في عضو لقد عوفيت في أعضاء . فبينا هو على ذلك أتاه نعي ابنه محمد ، وكان قد اطّلع من سطح على دواب للوليد ، فسقط بينها فخبطته ؛ فقال عروة : الحمد للّه ؛ لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة ؛ ولئن ابتليت في عضو لقد أبقيت أعضاء .
--> ( 1 ) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص 25 .